محمد أبو زهرة
3520
زهرة التفاسير
عليه الآيات ، ومن لا يدركها ليس عنده علم ولا إيمان ولا يقين ولا تقوى ، وعدم إدراكهم ناشئ عن ظنهم أن الحياة الدنيا هي كل شئ فلا يتدبرون ما بعدها وينكرون البعث ؛ ولذا قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ ( 7 ) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 8 ) . ذكر سبحانه آياته الكبرى في خلق السماوات والأرض الدالة على أنه أنشأ كل شئ وأن من أنشأه ابتداء يستطيع أن يعيد ما أنشأ ، كما قال : . . . كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ . . . ( 30 ) [ الأعراف ] . وبعد ذلك ذكر الذين ينكرون البعث والنشور والقيامة والحساب ، وأنهم لا يخافون عقابا ولا يرجون ثوابا لانغماسهم في الأهواء والشهوات ، وفسدت مداركهم فلا يفكرون في عواقب أمورهم ، وكلما غلبتهم الشهوات ألهتهم عن التفكير في خلق اللّه تعالى وما يدل عليه ، وعن التفكير في الآيات والنذر وما تدعو إليه من إيمان ثابتة دلائله . اليوم الآخر ، هو ما يكون من بعث وحساب وجزاء ، وقد قال سبحانه : الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا إشارة إلى استهانتهم بأنفسهم وخالقهم ، ولبيان المهابة في لقاء هذا اليوم والإشعار بأنه يوم خطير على الكافرين عسير . كما أضاف سبحانه لحال إنكارهم الرضا بالفانية ومتعها بدل الحياة الأخرى الباقية بنعيمها الباقي ، ورضوا بالقليل الحاضر عن الكثير المقيم ؛ ولذا قال سبحانه : وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها . أي أنهم رضوا وقنعوا بها لم تمتد أنظارهم إلى ما وراءها فشغلوا بالطريق وما به من منافع قصيرة عن المرتجى والمنتهى ؛ لأن الحس استغرقهم ولم يجعل في نفوسهم مكانا للنور يدرك به الحق ، واطمأنوا وسكنوا لملذاتهم وشهواتهم وقالوا في ذات أنفسهم : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 37 ) [ المؤمنون ] .